السيد كمال الحيدري
214
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
بالإنسان أن « لا يعتمد ويتّكل على القضاء والقدر وعلى ما في السماء من الرزق ، فيخالف سنّة الله وكلمته الحسنى التي سبقت لعباده نظراً لهم ورحمةً بهم ، من ربط الأمور بأسبابها ودخول البيوت من أبوابها . . فالإنسان حتم عليه أن يسعى لكن متّكلًا على الله لا على سعيه ، ناظراً إلى أنّه تعالى هو الذي يسّره للسعى وأوجد له الأسباب ومهّد له السُبل وأعطاه غريزة العقل » « 1 » . لم يغفل كاشف الغطاء عمّا ألحقه تفشّى الفهم العرفي الخاطئ للقضاء والقدر وللروح القدرية المستسلمة ولمذهب الجبر من وبال لَحِقَ الأمّة ولا يزال ، حتّى عدّ ذلك في مقدّمة أسباب تأخّر المسلمين : « ولعلّ بعض السبب أو كلّه في تأخّر المسلمين وسقوطهم في أعمق مهابط الخمول كما أحسَّ به اليوم كلّ واحد منهم هو سريان هذه الروح الوبيئة في نفوسهم ، فلطأوا بأرض الهوان وأخلدوا إليها ، ينتظرون أن تأخذ بأيديهم يد القضاء والقدر ، فتعيدهم إلى مراكزهم الأولى من التقدّم على سائر الأمم » « 2 » . لكن هيهات فالخلود إلى هذا الوهم هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ! إذ على الأمّة لو أرادت تجاوز كبوتها أن تلجأ إلى نواميس الله وسننه في النهوض ، فتصنع عندئذ قدرها بنفسها وعلى قدر مساعيها دون أن يفرض عليها فرضاً كما تذهب التصوّرات العليلة . لنلحظ ما يفيض به هذا النصّ من وضوح وامتلاء في الدلالة على هذا المعنى ، وقد كتبه كاشف الغطاء عام 1328 ه « 3 » ، حين يقول مستأنفاً الفقرة السابقة : « وهيهات ما لم ينهضوا تلك النهضة التي تأخذ بأيديهم على يد القضاء والقدر ، فلا يقضى ولا يقدّر لهم إلّا بالحسنى ، فإنّه لا يجرى القضاء والقدر على
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 196 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 184 183 . ( 3 ) كتب كاشف الغطاء آخر الجزء الثاني من كتابه أنّه انتهى من تأليفه أوائل ربيع الثاني سنة 1328 ه .